المشاركات

297: نامي يا عصفورة..

بإمكاني الآن النوم. لن أفكّر في ڤيروس كورونا، ولن أفكّر في صباح اليوم الذي انقسم لنصفين متساويين من المتناقضين، الحلو والوحش، لن أُفكّر في الأحزان التي تلفّ العالم كأنّها العفريتة البيضاء التي يثبّتون بها المضطربين والمرضى النفسيين. لن أفكّر في شعور الذنب الذي يلتهمني لأنني لم أقرأ سوى أربع وعشرون صفحة من رواية أحمد عوني " جوائز للأبطال"، لأنني أشتهي الوصول للنهاية لأعرف إلى أين ستنتهي المصائر. لن أفكّر. على الأغلب سأنام، ربّما هذا كل ما أحتاجه الآن، الإنقطاع الكُلي عن ضجّة العالم، حتى وإن كان ذلك ضدّي لبعض الوقت، لا بأس، بإمكاني التعايش مع انفلات معلومات هامّة ولحظات قادرة على تغيير وجه التاريخ، سأسمح لسلطان كالنوم أم يُمارس سلطته عليّ. أتذكّر ما يحدثُ عندما أسمح له بالسيطرة، كرابعة، استيقظت فزعةً في حدود العاشرة، لأجد رمادًا أسودًا وبقايا، ومذبحة. وتمامًا كهدير*، التي -لسبب ما- أمضت الثورتين في السيارة، إما نائمة وإما هائمة. تمامًا كنتيجة الثانوية العامة التي ظهرت وأنا أغطّ في نوم صباح يوم الجمعة العميق، لأستيقظ منه على صوت بابا وهو يقول :" مبروك!".  ربّما نحن...

296: لأ! دي محترمة..

أسيرُ باتجاه البيت بعد الإنتهاء من عملي، سمعتُ " قطاقيط" في الثالثة عشر من عمرهم يقولون: "لأ يا عم دي محترمة". أكملتُ مسيري، صعدتُ السلالم ودخلت الشقّة، غيّرتُ ما ألبس لملابس البيت الخفيفة الدافئة، لم أنسَ جواربي الناعمة الكثيفة، نظّفتُ الأطباق وفضّيت الحوض، جهّزتُ الغداء، ثم جلستُ وقت العصاري، أقرأُ كتابي وأشرب شايي الذي أحبّه مؤخرًا بطعم الفراولة. لست من الطبقة البُرجوازية لكن.. قبل عشر سنوات بالتقريب، كان سيغرقني إطراء كهذا. " لأ يا عمّ دي محترمة " كانت كفيلة بأن تزيدني فخرًا وشعورًا -زائفًا- بالمثالية. بل ستُعطيني انطباعًا مغلوطًا من اللاوعي بأنني قادرة على البدء في الوعظ. الآن.  كيف نقيس نتائجنا مع مجتمع معطوب الهوّية، تتحكّم فيه المشاعر والفهلوة والأدب الزائف؟ " متزعليش مني يعني يا دكتورة، البنات باظت!" أسمعها تتردد مدموجة بصوت الشباب الواعد " لأ يا عم دي محترمة!". كيف نأخذ بالكلمة من أفواهٍ جُل ما تعرفه عن الإحترام هو ما يتنافى مع رغباتهم الجنسية أو ما يُغطّي على عنفوانها؟ كيف تعتقد بأنك محترم إن كنت أمام نفسك تعرف أنك مرآة ...

295: برّا القوقعة..

في كل لحظة بنقرّب فيها من الحياة الحقيقية، الحياة برّا قوقعة الإتّكاء على الآخرين والدلال المفرط والحصول على كل مبتغاك ولا يكفيك حتى إن حصلت على جزء منه، شره الطفولة وعنفوانيتها، لما بنبعد عن كل ده وبنبدأ نقرب من الحياة الحقيقية، الجميلة المخيفة، الحنونة القوية، القصيرة الطويلة! لما بندخل وبنتوّرط وجدورنا بتتشعب أكتر، دلالنا بيقلّ واتّكائنا على أنفسنا لازم يكون مصدر قوّتنا، حصولك على حاجات كتير بيتحول لعطاءات أكتر.. كل لحظة بنقرّب فيها للحياة الحقيقية، الصورة بتزداد وضوحاً، وكل ما الوضوح هيزيد كل ما هتحس إنك عايز تجري بسرعة.. يا إما ناحية الحياة يا إما هروباً منها.. سلامو عليكو .. ** وجب التنويه أن هذا الكلام قد كُتب منذ ثلاث سنوات، أي في ٢٠١٧ في مثل هذا اليوم. أحيانًا أحبّ الـ memories في الفيسبوك!   - 295/365

294: اذكروا محاسن..

يُقال أن طاغيةً مات اليوم، أما أنا فلم يعتريني أية شعور على الإطلاق. لطالما فاجئتني نفسي في مواجهة النهايات، وأثارت حفيظتي في كيفية التعامل مع اللارجعة. أعني، بإمكاني الخروج من علاقة عاطفية متخلّصة فيها من كل ذرة منه في كياني حتّى أنني أنسى ما كان يومًا شعوري تجاهه، ثم تتلاشى ملامحه تدريجيًّا من مخيّلتي وكأنّه أصبح في عداد الموتى، دون أن يكون الأمر مصحوبًا بكراهية أو غضب، اللاشيء فحسب. يمكنني الهروب من وظيفتي دون ذرة ندم على ما ضاع من الشهور المحتملة المتراكمة من المرتب أو من الصعود على سلّم الترقيًّات. يمكنني القيام بأشياء غريبة على صعيد شخصي، فماذا بموت شخصٍ لا نتلاقى أنا وهو سوى على صعيد اللاشيء؟!  لن ألتفّ على نفسي، ولن أنبش في صدري على أي ذرةٍ للغفران، لن أدّعي المثالية ولا الحيادية، ولا يعني هذا شيئًا على الإطلاق، فأنا لستُ الله لحسن الحظّ! أنا ابنة آدم الذي انهار أمام تفاحة! أنا كما يقول أحمد بخيت " الصوفيّ والشهوان عشّاقًا ومعشوقًا، أسير بقلب قدّيسٍ وإن حسبوه زنديقًا"، أنا -أحيانًا- لا أجد في قلبي قدرة للترحّم على الطغاة لكنني أجدها -وبقوّة - للترحم على المنهزمين...

293: مراجعة: هل يبقى الأثر؟

صورة
" مرت بي تلك الرعشة التي تهزّك عندما تقابل شخصًا تعرفه طوال حياتك، ثم تجد نفسك معه فجأة في نفس الحيّز والوقت. إنّها رعشة الحضور الطاغي للمعرف ة من طرف واحد، ورغبتك في أن تتوازن، ألا تكون أحمق وألا تستنفذ طاقتك في عدم تصديق ما يحدث".* هذا ما شعرتُ به عندما قابلتُ إيمان مرسال للمرة الأولى في حفل توقيع كتابها " في أثر عنايات الزيّات" والذي عرضَ دون اصطناعٍ للحزن ولا نبشٍ أجوف في الذكريات قصة كاتبة، انتحرت قبل أن ترى عملها الأول. ماذا سيخطر في ذهنك عند قراءة هذه السطور، " كاتبة انتحرت قبل نشر كتابها الأول" ؟ أعلم، لكنك لن تكون في مواجهة " كتابة صعبانيّات " ولا حتّى قصة مجرّدة عن كاتبة ما، أعتقد أنك بصدد قراءة " بالطول والعرض"، عملت فيها إيمان مرسال على أخذ شريحة عرضية شفّافة للمجتمع، تعمّقت في شتى الزوايا دون أن يفلت منها عمق واحد، تحدّثت عن التاريخ وعن الأرشيف وعن " نخبة الأدباء" في الستينات وما بعدها، تحدّثت عن القبور والتفاصيل والشوارع، عن القاهرة، بل عن قاهرتين (قاهرة عنايات وقاهرة إيمان)، عن الإضطراب والكتابة والوحدة، تحدّث...

292: أسوأ صناعات في العالم..

بحثتُ عن أسوأ صناعات في العالم، فلم أجد سوى مقال واحد غريب. تخيلتُ أثناء بحثي أنني بصدد معلومات نادرة، وأنّه ما سأعرفه عن هذه الصناعات ربّما سيُؤهلني لكتابة مقال جديد ومختلف، لكن جُلّ ما وجدته بعد عملية البحث تلك، والتي بدأتها بالفعل بمنتهى الجدّية في مقهى هادىء (وله نت ممتاز) وقهوة تُقدّم في كوب ضخم كأنّه حمام سباحة، أنّ أسوأ صناعات البشرية كانت : " صناعة الكراهية وصناعة العنصرية وصناعة التطرّف "! تلحّفت اليوم على الأريكة التي تتمركز في المكان الصحيح بين المطبخ والتلفاز، ورحت في نوم عميق كمن غفا على كتف حبيبه، وعندما استيقظت، فتّحت عيني على واحد من أجزاء " Wolverine "، وتذكّرت ثانية هذا التساؤل: يا هل ترى ما هي أسوأ صناعات في العالم، لذا قررتُ أن أكتب عنها حتى يخفّ إصرار السؤال في رأسي، ربّما أجد عندكم مصدرًا يساعدني على المعرفة. ولأنني ما زلتُ أبحث عن إجابة كافية وشافية عن هذا السؤال، سأترك هذه التدوينة مفتوحة، لأنني لم أقتنع بعدُ بأن صناعة الكراهية هي أسوأ صناعة في العالم أو أنّها صناعة بشريّة أصلًا، بل تبدو لي الكراهية صناعة دنيوية من الأساس، عُجنت فينا من...

291: ها هو الطريق..

أتذكّرك، هذا الطريق يحمل عبَقَك.  " هيدا الطريق آخرته لحن حزين "، وأحيانًا لا آخر له. " كل الطرق تؤدي إلى روما" وكذا ثقوب قلبي، تؤدّي إليك. مرة رأيت طريقًا طويلةً إلى الشمس وأنا أسير باتجاه المنصورة، فنظرتُ جيّدًا حتّى تلاشى الزمان والمكان وشعرتُ أنني في حضن الشمس وهي كذا في حضني، دون أن تحرقني! " هيدا الطريق آخرته لحن حزين"، وليس ما هو أجمل من الألحان الحزينة، واسأل تامر عاشور! أستندُ إليك كأنني أقفُ وظهري مُثبّت من تلقاء نفسه بمسامير. قلتَ ما يشبه هذا ونحن في طريقنا للبيت سيرًا على الأقدام لما فاجئتني قطّة متوترّة بحركة فجائية، أسندت ظهري بكامل راحتك. في هذه الأغنية التي سمعتها صدفة ذاك اليوم فتافيت ذكرى، ذكرى المشاعر التي لم تُنطق سوى لتعلّق القلوب من أعقابها. كان طريقًا مُظلمًا. " هيدا الطريق آخرته لحن حزين. والسيجارة نسّتني نسّتني" فهل ننسى؟ المشي في مارس، ثمة حشائش خضراء تشقّ طريقها بين السيارات، تجور عليها أقدام المارة أحيانًا وأحيانًا ترحمها، تستعدّ الزهور لموسم الربيع الخانق، لكنّ المشي يبدو فكرة صائبة في...