المشاركات

89: عشوائيّة: " أغمض عينيك وتخيّل"

صوتٌ طفولي يرتّل قرآناً أو يدندن أغنيّة، لم أتبيّنه تماماً من ارتطام الهواء بزجاج شبّاك الميكروباص، لكنّه كان جميلاً وناعماً وهادئاً. ظلامٌ يتخلل مصانع الخشب، ونيرانٌ وليدةٌ تبدو كشعلة أولمبية تحملها أيادٍ منهكة ومتعبة، تُشعلها وتصنع القهوة في آنٍ واحد. وقفٌ خيريّ لمبرّد مياه، صنبوره مكسور، والماء تسري منه إلى الأرض كأنها دموع الحجّاج. باص كبير وازدحام، وجوهٌ كثيرةٌ ووجوهٌ مُنيرة تلبس الأبيض تصعد الباص وسط زغاريدٍ وقبلاتٍ وسلاماتٍ، تلتفّ حول رقابهم أسماؤهم وأسماء حمَلاتهم. زغاريد زغاريد. على حين بغتةٍ، في الإتجاه المقابل، رجلٌ فتح النافذة وبصق في الشارع. المناديل مُهددةٌ بالإنقراض كالزراف كما نعلم! أغمض عينيكَ وتخيّل.. الآن وقد وتّرتْك الظلمة لثوانٍ. ثمةً يدٌ، تمتدّ على الكرسيّ المجاور لي، هل يستند أم يمارس نقصاً ما في آدميته؟ أمهليه ثواني.  السماءُ تعلم جيّداً كيف يمكن لها أن تحطّم الإنسان وتحييه، لأنّها تُذكّره بحلمٍ ما، وأرقٍ ما. رجالٌ كثيرون يجلسون على القهوة يلعبون الدومينو ويتحدثون حتى الصباح لأنّ نساءً بائسات تنتظرهنّ على السرائر، ليناموا بمفردهنّ كل ليلة. طفلٌ ...

88: صوتُ الحبّ الأول، للحبّ الأخير: كلثوميات

كيف بدأ كلّ هذا الحبّ؟  بدأ بالحبّ، بأوّل حبّ تحديداً، هذا الحبّ الذي يحفر اسمه بكل عنفوانيةٍ وجنونٍ كأنّه دقّ المسامير. هذا الحبُ الذي لا يُنسى لذاته لكنّه يُنسى لتفاصيله المُراهقة والمُرهقة. في هذه الحقبة الزمنيّة المجنونة من عمرك ستقع -دون أن تُعي- في صوتها، هذه السيّدة الحكيمة الرزينة التي تُمسك منديلها بدفء وتتزيّن دون مبالغة أو تفاخر إلّا بجمال صوتها. هذه السيّدة الفريدة التي أؤمن إيماناً تامّاً أنّها وحيدة هذا الزمان التي أمسكت صولجان إذابة القلوب بكل حرص، ومارست السحر على كينونتنا دون أن نُدرك، ولا أعلم صدقاً إن كانت تُدرك ذلك حينها هي على حدّ سواء، لكنّه حدث يا " ستّ". فيما قبل الحبّ الأول، سيبدو صوتها ضخمٌ وكلام غنائها غير مفهوم ولا محسوس، ستشعر أنك تجلسُ وحيداً في جلسة للكبار، ثمّ، تحدثُ مصيبتك الأجمل، فتتغير الدنيا، كأن الظلام ينقشع ليُشرق جمالها لعينيك وقلبك. سيبدو كلامها ناعماً، وصوتها كأنّه الكون، تحملك على البكاء عند الفراق وعلى البكاء عند الإلتقاء، وعلى التساؤل، في أسئلة الحبّ والحياة والحرب. كان صوتها المذياع، والبندقية، والشيء الوحيد الذي كاد أن يُجمع...

87: "لا بداية ولا نهاية": الخوف

عُدنا من جديد لحالةٍ من الفراغ الداخليّ، لم أعد أتذوق طعم اللحظات الخفيفة، لكن في فمي طعم يشبه طعم الحديد، هل هذا الدم من فمي، أم نزيفٌ آخر من الأيام؟  في كل صباح، وأحيانا في المساءات الدافئة تجتاحني رغبةٌ عنفوانيةٌ شيطانيةٌ في أن ألملم هذا الفتات وأبدأ من جديد، فلم يشارك أحدٌ بعينه في هذا الهراء، بل شارك الجميع على حدّ سواء، وشارك الجميع بقدرٍ يليق بقدره، وبحجمٍ يليق بعمق وجوده. لماذا أشتهي صوت هبة طوجي الليلة تحديداً؟ " لا بدايةِ ولا نهاية والوقت مارق غريب، متل مروري بأفكارك، لحظة بتلمع وبتغيب!"، دقائقٌ حتى أتذكّر " هدّينا عقارب الساعة خايفين الوقت ليفلّ" لكنّه فلّ. فلّ وترك عقارب الساعة تلتفّ على نفسها رغم خوفنا. الخوف، فكرة مُزرية، فكرة تمدّ جذورها في لحم أجسادنا، لكن لمَ نخاف من الوقت؟ لأننا نعلم أنه مُحمّل بالمجهول، المجهول بُعبع ونحن أطفالٌ بريئون وطيّبون أمامه. الخوف مُزري لأنّ المجهول زاده. هكذا تبقى شجرة الخوفِ متأصلة في روح الإنسان، مُعمّرة بعمره. أعلم أن هذه التجربة تميل للشخصنة التامّة، كأنّها مذكراتٌ يومية بينما هي ليست كذلك تماماً، لكنني أريدها...

86: تدوينةٌ من الشارع، وللشارع..

في تدوينة البارحة حدّثتكم عن البيوت، والحكايا التي أختلقها كلما مررتُ بهم من شباك سيارة أو ميكروباص، لكن لم أحدّثكم بعد عن الناس، الذين أتمّعن في وجوههم كلما حملتني قدماي على المسير لمسافاتٍ طويلة، وأكثر ما أحبّ أن أتمشّى في الشتاء، يجعلني ذلك أن أنفّس عن طاقات مُحكمة الغلق بداخلي، أو عن حزن لم أعبّر عنه حتى اعتقدت أنه مات بينما دفن وهو حيّ. لكنني في أيام النسمات الباردة في الصيف، أثقُ في قدرتي على استكمال المسير، فأسير ما استطعت. خلال نصف ساعةٍ من المشي المنتظم، وصوت ذكرى يغنّي ذكراها " وحياتي عندك، لو كان ليّا عندك خاطر" رأيتُ فتاة بحجم العُقلة، كانت صغيرة وطريفة وزاكية، لم تتجاوز الخامسة، تُمسك كيساً واحداً من السوبرماركت الذي على يميني، وفي كفها الأخرى جنيهات. كانت تحاول بكفها الممسكة بالكيس أن تعدّ ما تبقى لها وبين ما يجب أن يتبقى لها. كانت تسير لا مبالية بالطريق ولا بمن يمشي فيه حتى كدنا أن نصطدم. ظللتُ أقترب منها حتى انتحيتُ أنا في اللحظة الأخيرة لتُكمل مسيرها وهي تعدّ على أصابعها كما كنّا تعلّمنا في الإبتدائية، علّها تطمئن أن ما تملكه في يمينها هو الكمّ الصحيح، ...

85: ماذا خلف الباب؟!

أحبّ أن أتخيّل ماذا يحدثُ خلف هذا الباب، وذاك الشباك، وماذا تخفي جدران هذا البيت. وأخشى أن تُسمّى تلك فضوليّة خادشة، لكنّها في حقيقة الأمر تعمّق فيما هو أبعد من الأسفلت والخشب، تعمقٌ لما يمكن أن تحمله نفس الإنسان، وكينونة العائلة، وتعدد أفرادها. عندما تتحركُ عجلات السيارة أو يطير الميكروباص عابراً بنا أراضٍ خضراء وبيوتاً رمادية، تتوقف عيني لجزء من الثانية على كل باب نمرّ به، ماذا يمكن أن يخبّىء هذا الباب خلفه، ما القصة التي تتكوّن وتتشكل هنا! من يعيش هنا؟ كيف يبدو مطبخهم؟ هل مات لهم أخٌ أم أخت؟ هل لهم مغترب مسافر؟ أو قريبٌ غريب؟ وأفكّر كثيراً، أخلق سيناريوهاتٍ معقّدة وكثيرة وأحياناً أبسّطها إذا ازدادت سرعة المحركات وبدت البيوت شريطاً لا مكعّبات. مثلاً هذا البيت ذو الطوابق الثلاثة، لونه برتقاليّ زاهٍ، شبابيكه بنّيه، جانبيه ما زالا بالطوب الأحمر، لكنّ واجهته مزّينة بالورود المطبوعة. على حبل الغسيل سيمفونيّة عُزفت، الملابس الصغيرة فالمتوسطة فالكبيرة كالملاءات والجلاليب، في الشرفة قفص أبيض، بداخله عصفوران لم أتحدد ماهيتهما بالطبع، ما وراء الشبابيك الكبيرة، غرفةُ فتاة، تنامُ مشاركة مع ...

84:أغانٍ دافئة وطريق سفر

" حبيبي كان هنا مالي الدنيا عليّا بالحبّ والهنا، حبيبي يا أنا يا أغلى من عنيّا بتسأل مين أنا؟!" وطريقٌ مظلمٌ من بورسعيد إلى دمياط. في الليالي الهادئة التي تحملها عجلات السيارة لا قلبي المُثقل، أتساءل متى ستتكرر تلك اللحظات مجدداً؟! متى سيكون الشعور بالحياة خفيفاً ورائعاً وطيّباً إلى هذا الحدّ؟! وكيف لي أن أستيقظ كل يوم بهذه الخفّة، في قلبي ثقَة في الغيب وفي عيوني قمرٌ يعكس نور الشمس لا بلوتو بارد لا يعرف عن دفئها الكثير. دائماً ما شعرت أن أغنية طويلة وجميلة وطريق سفر هو مزيج مثالي للحظة حبّ، مزيج مثالي لكي ينشأ حبّ، ومزيجٌ مثالي لكي ينتهي حبّ، ومزيج مثالي لكي ينزف جرح حبّ.   " أنا الحبّ اللي كان، اللي نسيته أوام، من قبل الأوان" تغنيها ميادة الحناوي لتقطع لحظةً مثالية وتجعل النسيان ويكأنّه أمرٌ ساهل. أن تُنسى " أوام" هو أسوأ أنواع النسيان. أن تنسى لأنك لم تكن أصلاً كتلةً أو لم تكن مساحة أو لم تكن زمناً حتى. أنتَ تُنسى لأنك لم تحتل جزءاً من عالم أحد. لا أعلم لمَ أكتب هذا الآن، رغم أن الجو عذب، والموسيقى تماماً كالتي أحبّها، والسيارة تحملني في جوفها ...

83: مفاجئةٌ صغيرةٌ غير متوقعّة..

صورة
سأحكي لكم، حكايةً غريبة حدثت ليلة البارحة بينما كنت أمسك بهاتفي في بيتنا المتكون من طابقين وسلم يربطهما- وهذا وصفٌ سنحتاجه لاحقاً في تخيل المشهد-. بينما كنت أتصفّح هاتفي خايلني ظلّ متحركٌ ينزل السلّم، كائنٌ ذو أربعة، ولما التفتُ لجزءٍ من الثانية هُييء لي أنني رأيتُ قطة خارجة من غرفتي وتتمختر على السلم نزولاً للصالون الذي يعتبر جزءاً من الطابق السفلي للبيت.  " حسناً! ماذا رأيتُ لتوّي! إن كانت بالفعل قطة، فمن أين أتت وأين تتوجه حضرتها؟" وتوقف عقلي لوهلة من الزمن. وحملتني أقدامي لغرفتي علّني نسيت باب البلكونة مفتوحاً، أو أنني أتكهّن مثلاً! فوجدته مغلقاً ووجدتني في كامل وعيي. نزلتُ على السلم، ولم أجد شيئاً، اختفت، كأنها لم تُوجد أصلاً، حتى أنني خفت التوّهم، وأنّ لا شيء مرّ من هنا من الأساس، ثم تضاربت الصراعات، أعني، أنا أفضّل القطط عن الفئران أو ابن عُرس وحتى الصراصير، لكن إن لم تكن تلك قطّة بالفعل فماذا رأيتُ أنا؟ هل كانت روحاً عالقةً في بيتنا وكانت تريد الهروب! أصابتني أفكار مجنونة. نزلتُ بهدوء سلّماً سلّماً، وأنا أنونو وأبسبس علّها تشعر بالطمأنينة فتخرج من مكمنها، ومرّ...